هل العادة سلوك إيجابي أم سلبي ؟


مقدمة :

أن التفاعل مع مقتضيات الحياة, وتحصيلها وفهمها , يتطلب منا تحليلها, لذلك يلجا الانسان الى العديد من الأفعال , منها الأفعال التعودية المكتسبة أي العادة والتي تعرف انها قدرة مكتسبة على أداء العمل بطريقة الية مع السرعة والدقة والاقتصاد في الوقت والمجهود فإذا كان الاتفاق قائما بشان مفهومها ,فان تاثيرتها وقع فيها جدال وخلاف بين الفلاسفة والمفكرين فهناك من يرى أنها سلوك ايجابي فعال يحقق التكيف وبينقيض ذلك هناك من يرجعها الى انها سلوك سلبي يعيق التكيف ,ومن هذا الاختلاف والتباين في الأفكار نطرح الاشكال الاتي :هل عادات الانسان ايجابية ام سلبية ؟ وبعبارة أخرى :هل العادة فعل ايجابي أم سلبي ؟
الموقف الأول : يرى أنصار هذا الطرح أن العادة سلوك إيجابي فهي رصيد وتجربة هدفها التكيف كما أنها تساهم وبشكل فعال في إزالة العناء والشقاء عن حياة الإنسان ويظهر ذلك من نواحي عديدة : فعلى المستوى الحركي والجسمي تساعد العادة صاحبها على توفير الوقت والجهد في أداة الأعمال والتكيف بسرعة من المواقف الجديدة كما أنها كشف للمهارة وتجلي لروح, قال مودسلي " لو لم تكن العادة تسهل لنا الأشياء لكان في قيامنا بوضع ملابسنا وخلعها يستغرق نهارا کاملا " إن كل حركة جسمية ماهي في الأصل إلا نتيجة العادة والدليل على ذلك الرياضي الذي عود جسمه بعض المهارات في الحركات , فهو يقوم بها بكل إرادة وحرية ,أما الذي لم يعود جسمه على ذلك فيصاب بتشنجات عضلية قال آلان " إن العادة تمنح الجسم الرشاقة والسيولة " وقال أيضا " هي قدرة على أداء ما كان في بداية الأمر عاجزا عن أدائه " و يمكن أن نلاحظ ذلك الطفل الصغير , أثناء تعلمه للكتابة , ففي البداية تكون حركاته عنيفة وتشمل في ذلك الوقت , التوتر العضلي للجسم كله حيث يتقطب الجبين وتلتوي الشفتان واللسان وتكون قبضة يده على القلم شديدة حتى تتصلب الأصابع والذراع كله , لكن تزول هذه الحركات رويدا رويدا والفضل في ذلك يعود إلى العادة بحيث تتحقق المهارة والسرعة في الكتابة, كما تظهر فعالية العادة على المستوى النفسي فهي نموذج يمكن من التعامل مع الموضوعات المتشابهة مما يؤدي إلى الشعور بالارتياح والاستقرار والتوازن النفسي فمن خلال السلوكات التعودية تزيد الثقة بالنفس , ويقل التردد لأن الفرد سيؤدي تلك الأفعال إن العادة الفعالة الخاضعة للإرادة والوعي تعمل على تحرير الانتباه وتساعد على التفكير الناجح ,حيث يتسنى للمرء ترتيب الأفكار والعمل على تناسقها وتوجيهها بسرعة , قال جون د يوي " فهي تحكم قيادة أفكارنا فتحدد ما يظهر منها وما يقوي وما ينبغي له أن يذهب من النور إلى الظلام" بالإضافة إلى ذلك تساعد العادة الذات على ابراز امكانياتها ومواهبها ولهذا قيل " العادة مصدر الابداع في مختلف الميادين "و قال برادين " المفارقة في العادة أنها ابداع آليات من كائن ليس آليا " والدليل على ذلك : الفارق الكبير الذي نجده بين اللوحة الفنية التي رسمها فنان ذو خبرة طويلة وبين قيمة اللوحة التي يرسمها الانسان العادي أو الفنان المبتدئ وللعادة اتصالا وثيقا بالاخلاق , فمن خلالها يتم غرس المبادئ التربوية الحميدة التي تساهم بشكل فعال في تكوين الشخصية , ففي سن مبكرة يكتسب عاداته بالتقليد والتلقين والتدريب. فبفضلها يتم تهذيب النفس , فمثلا : من وطن نفسه على صفة الأمانة تجده لن يقف مترددا في أحكامه , ولا ينفق في هذا جهدا , و للعادة واثار ايجابية أيضا على المستوى الاجتماعي فالانسجام والتوافق بين أفراد المجتمع مصدره العادة لأنها تجعل البينة مالوفة لديهم , كما أنها تساعد على حفظ النظام الاجتماعي وتجنب الصراعات والفوضى لاسيما أثناء احترام الأفراد للعادات الاجتماعية , فمن خلالها يتم الترابط والتماسك فتنتشر أواصر المحبة ويتجلى ذلك خاصة في موائد رمضان وكذلك التضامن الاجتماعي خلال الكوارث الطبيعية باتقان وبالتالي يتخلص من الحركات الخاطئة ويعوضها بحركات ناجحة قال جون ديوي "كل العادات تدفع إلى القيام بأنواع معينة من النشاط وهي تكون النفس "
التقييم والتقد : على الرغم مما قدمه هذا الاتجاه من أن العادة سلوك ايجابي تساعد في تحقيق التكيف ,الا انها تؤدي في بعض الأحيان إلى الاستبداد والطغيان فبمرور الزمن تصبح عائقا امام الارادة الانسانية فمرونة هذا السلوك تؤول في كثير من الأحيان إلى التصلب والآلية, وهذا ما يؤدي الى الثبات والسكون في سلوك الإنسان وبالتالي يصبح غير متجدد, ويؤدي إلى التكرار كما أن العادة تقيد الفرد بسلوكات يصعب عليه التخلص منها مثلا : التعصب الفكري , او التعود على بعض العادات الاجتماعية السينة كالقتل او السحر قال ارسطو "العادة وليدة التكرار " الموقف الثاني :
الموقف الثاني : پری انصار هذا الطرح أن العادة سلوك سلبي فهي تجرد الانسان من انسانيته قال روسو " خير عادة يتعلمها الطفل هي الا يعتاد شيء "وف العادة وما تتميز به من أليه تؤدي الى صعوبة في التكيف مع الواقع ويظهر الاثر السلبي لها في نواحي عديدة : فعلى المستوى الجسمي والحركي فلقد أكدت العديد من الاختبارات البيولوجية أنه من تعودت اعضاءه على حركة ما يصعب عليه تغييرها ومثال ذلك : الاطفال الذين يعانون من التشوهات أو تعود جسمهم على وضعيات معينة فسوء الجلوس قد يأثر على سلامة العمود الفقري كما نجد العديد من الأضرار التي تصيب الجسم سببها عادات غذائية سينة لان الفرد لا تكون له الحرية في الاستغناء عنها قال كانط " كلما زادت العادات عند الانسان كلما أصبح أقل حرية واستقلالية ".كما تؤثر العادة سلبا على الحياة النفسية للإنسان لانها تخلق لديه الشعور بالسأم والملل نتيجة الروتين والرتابة وهذا ما يجعل حياته خالية من المشاعر, كما انها تضعف الحساسية ويتجلی ذلك بوضوح في حياة الجراحين فقد تعودو على ألا ينفعلو لما يقومون به من تشریحات ومعاينات قال جون جاك روسو " العادة تقسي القلوب" و قال سولي برودوم "إن جميع الذين تستولي عليهم قوة العادة يصبحون بوجوههم بشروبحركاتهم الات " إن العادة المنفعلة التي تقوم على التكرار الفاقد للوعي والانتباه. تتسبب في الركود كما انها تقضي على روح المبادرة والابداع مما يعني أنها تضعف الفعالية الفكرية ولقد اثبت العلم والتاريخ أن العادة تعيق التفكير فهي بمثابة عائق إبستيمولوجي, لأنها تمنع الروح النقدية فالتعود على الأفكار الشائعة يؤدي إلى رفض التجديد قال جان بياجيه" الروح المتعودة هي الروح الميتة " فهي تخلق في نفس الإنسان التعصب والثقة الزائدة ولهذا يعتبر غاستون باشلار الافكار الراسخة في الأذهان عوانق معرفية تعرقل تقدم العلم قال في هذا السياق "إن كبار العلماء يفيدون في النصف الأول من حياتهم ويضرون به في النصف الثاني منها" فمثلا :الحقيقة التي أعلن عنها الطبيب هارفي حول الدورة الدموية في الانسان ظل الأطباء يرفضونها مذة اربعين سنة والأمر نفسه حدث مع غاليلي وما واجهه من اضطهاد من طرف الكنيسة, وكذلك المجتمع بسبال افكاره الجديدة بالاضافة الى ذلك وهناك صعوبة التكيف مع الأوضاع الاجتماعية التي تناقض ما ألفه الانسان تظهر كذلك الأثر السلبي للعادة , فأصحاب العقول التقليدية نجدهم يحافظون على ما هو قديم وخرافي ,على الرغم من وضوح الأدلة على بطلانه و عليه فالعلاقات الاجتماعية تفقد حيويتها وجاذبيتها بسبب مثل هذه العادات السيئة التي تؤدي الى الانقسامات والصراعات والخموض بين أفراد المجتمع قال مالنوفسكي " العادات هي روتين الحياة الحقيقة "


التقييم والنقد :
على الرغم مما قدمه انصار هذا الاتجاه من أن العادة سلوك سلبي يعيق التكيف الا انهم بالغوا واهملوا ايجابيتها فهي وظيفة نفسية وحيوية تساعد على التكيف وبناء المهارات وهي أنموذج واستعداد لمواجهة مختلف المتطلبات الحياتية وتحقيق التاقلم والتكيف مع العالم الخارجي .

التركيب :
العادة سلوك, ايجابي وسلبي في نفس الوقت فهي ايجابية تحقق التكيف وتساعد الانسان على قضاء حاجياته الضرورية من جهة , ومن جهة اخرى هي سلوك انحرافي يعيق التاقلم ويقتل الايداع ,لذا وجب التحكم فيها واعمال الفكر كمنطلق وجوهر في التمييز بين العادات الحسنة والعادات القبيحة قال شوفالي " إن العادة هي أداة حياة أو موت حسب إستخدام الفكر لها " وراي أن العادة عملة ذو وجهين مختلفين فهي مرات تساعده ومرات اخرى تعطل وجوده و تقتل شخصيته
الخاتمة : وفي الاخير نستنتج أن العادة سلاح ذو حدين, فأثرها على السلوك يرتبط بكيفية إستخدام الانسان لها ومن خلال التربية والتنشأة السوية يمكن التحكم فيها وتوجيهها نحو الأفضل والأحسن لمواجهة صعوبات الحياة وتحقيق التكيف المستمر مع موضوعات العالم الخارجي والداخلي على حدا سواء .
هل العادة سلوك إيجابي أم سلبي ؟ هل العادة سلوك إيجابي أم سلبي ؟ Reviewed by mohamed fellag on سبتمبر 10, 2018 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.