مقالة جدلية : هل تماسك المجتمع مرهون بضرورة تواجد الاسرة ام زوالها ؟



مقدمة : يعتبر الإنسان كائن مدني بطبعه فهو يهدف إلى تشكيل نسيج من العلاقات مع الآخرين ومن مظاهر الحياة الإجتماعية نجد الأسرة التي تعرف بأنها النواة الأولى في بناء المجتمع والمنبع الجوهري في استقراره. فإذا كان الاتفاق قائم حول مفهومها فإن الإختلاف حاصل حول أهميتها وقيمتها في بناء الكيان الإجتماعي ,فمنهم من يرى أن الأسرة ضرورية وبالتالي المحافظة عليها وبنقيض ذلك هناك من يرى بضرورة زوالها ومن هذا الإختلاف والتباين في الأفكار نطرح الإشكال الآتي: هل الأسرة ضرورية في المحافظة على الكيان الإجتماعي وبعبارة أخرى: هل الأسرة ضرورية يجب بقاءها أم غير ضرورية يجب زوالها؟
الموقف الأول : يرى أنصار هذا الطرح أن الأسرة هي أهم الجماعات الإنسانية وأعظمها تأثيرا في حياة الأفراد فهي الوحدة البنانية الأساسية في تشيد صرح المجتمع وبالتالي يلزم وجودها ولا يمكن الإستغناء عنها. الأسرة ضرورة إجتماعية لأنها تقوم بوظائف عديدة وتتمثل وظائفها في الوظيفة البيولوجية فينفصل المعاشرة الزوجية المحددة شرعا وقانونا يتم ضبط السلوك الجنسي وتهذيبه, و بالتالي التحكم في الدوافع الغريزية وتنظمها في إطار مؤسسة الزواج وهذا ما يساعد على الحد من الأطفال الغير الشرعيين ليكون بذلك الزواج سدا مانعا للإنسان من الوقوع في الرذيلة قال رسول الله : "من أحب فطرتي قليتسن بسنتي وإن من سنتي النكاح" فالأسرة تضبط الأنساب وفق معايير أخلاقية وإجتماعية قال جلال الدين سعيد " الزواج ليس مؤسسة فقط بل قبل ذلك هو علاقة جسدية وروحية وطبيعية والقرابة تتسع لتشمل الروابط الإجتماعية" أما الوظيفة النفسية فهي بمثابة الأساس النفسي الذي بفضله ينعم الفرد بالحب والطمأنينة والأن النمو السوي ليس تابعا للظروف المادية فقط بل هو أيضا تابعا للظروف النفسية التي من شأنها تنشيط النمو الجسمي والعقلي لذلك على الأسرة أن توفر الراحة والهدوء النفسي والإستقرار ,لأن الذي يربط بين أفرادها هو الحب والعطف والحنان ,قال الله تعالی"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا غليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " وقال رسول الله ت اما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا من إمرأة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظرإليها أسرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسه وماله " , ولقد اثبت بعض الدراسات ان علامات الاضطراب العقلي وعدم الاتزان والاستقرار النفسي لدى بعض الأطفال لاسيما في الخمسة سنوات الأولى سببه حرمانهم من الحنان والعطف العائلي وهذا ما يتسبب في الكثير من الأمراض والعقد النفسية وكذلك عدم التوافق السلوكي و يكون مصيره الانحراف قال هيغل "ان افراد الأسرة يعيشون في وحدة مشاعر وحب وثقة وايمان بعضهم ببعض وفي علاقة الحب الطبيعي يكون الفرد الواحد واعي بنفسه بقدر وعيه بالاخر " أما الوظيفة الإجتماعية فمن خلال الأسرة يتلقى الفرد ما يسود من ثقافة ومن قيم وعادات وإتجاهات ,قال دوركايم " إننا في الأسرة نجد حلاوة مع من نحبهم وعذوبة حب مع من نعيش معهم" إنها تضمن الإنسجام والتعاون بين أفراد المجتمع وهي الحصن الذي يتلقى فيه الفرد دروس الحياة عن طريق التوجيه والإرشاد ولهذا يصلح المجتمع بصلاحها ويفسد بفسادها قال سعد عبد السلام حبيب " لما كانت الأسرة هي نواة المجتمع فإن صفات الأسرة تنعكس على المجتمع "وقال هيغل"... وهكذا تشكل روح العائلة وجودا جوهريا ... مثلها مثل روح الشعب في الدولة ..." أما الوظيفة الإقتصادية فالأسرة توفر كل الحاجات المادية وكافة المستلزمات لضمان العيش الكريم كالمسكن والغذاء واللباس وغيرها من الضروريات التي لا تستقيم الحياة من دونها والغرض من ذلك هو تفادي الإنحراف السلوكي والإجرام والفقر, وعليه فالأسرة وما تقدمه تعتبر نواة إجتماعية ضرورية ولا يمكن الإستغناء عنها .
التقييم والنقد : برغم مما قدمه أنصار هذا الطرح من أن الأسرة ضرورية إلا أن ما يثبته الواقع هو العكس فالتطور التكنولوجي والصناعي في مختلف الميادين جعل منها مؤسسة استهلاكية أكثر منها منتجة وكذلك الواقع اليوم يكشف عن الكثير من التجارب الفاشلة الأسر لم تستطع أن تؤدي وبشكل فعال المهام الموكلة إليها وهذا يدل على أن الأسرة تعاني من أزمات تنعكس سلبا على المجتمع
الموقف الثاني : يرى أنصار هذا الطرح ( النزعة الفوضوية مع باكوتين) أن الأسرة مؤسسة سلبية و غير ضرورية لهذا لا بد من إستبدالها بعلاقات حرة فهي تحد من حرية الفرد وتعيقه على التفتح ولذلك لا بد من زوالها وتحل محلها الدولة في تربية النشأ قال أندري جيد "أيتها الأسرة إني أكرهك " كما يعتقد إنجلز أن وجود الأسرة مرتبط أساسا بالنظام الرأسمالي الذي يعتبر مجرد وحدة إقتصادية لكن زوال الملكية الخاصة لوسائل الانتاج في إطار النظام الإشتراكي سوف يغير العلاقات الإجتماعية وتأخذ الدولة على عاتقها تربية الأطفال ورعايتهم فتزول الأسرة لإنعدام أي دور تقوم به ,قال أنجلز "إن المجتمع يقدم عناية مشاوية لجميع الأطفال سواء كانوا شرعيين أو طبيعيين" ويذهب کارل ماركس إلى اعتبارها قيد اجتماعي ينبغي التحرر منه فهي تمارس اكراهات وضغوطات على افرادها و يتضح التأثير السلبي للأسرة على المجتمع من خلال المشاكل والتحديات التي تمر بها والتي تنعكس لا محالة على إستقراره وتوازنه مثل ميل الأفراد إلى النزعة الفردية حيث أصبح الأفراد يتطلعون نحو التحرر من الروابط الأسرية لا سيما في العصر الحديث ,ومع انتشار نمط الاسرة الأحادية اصبح ينظر الأفراد وخاصة المراهقين اليها انها قوة تحول دون تحقيق أحلامهم بسبب سلطة الأبوين ,ولهذا فالاختلاف في الاراء والقيم والاتجاهات بين الطرفين تكون نتيجته الطبيعية التفكك الأسري وبالتالي غياب التماسك الاجتماعي كما أن التطورات المتسارعة على المستوى الإقتصادي بسبب العولمة والتي انعكست بظلالها على أغلب المجتمعات , غيرت من سلم القيم التي يجب أن تتبناها الأسرة حيث طغت القيم المادية على حساب المبادئ الأخلاقية والروحية وهذا من شأنه أن يعصف بكيان المجتمع.
التقييم والنقد : برغم من أن الأسرة ليست ضرورية في المجتمع ويجب إزالتها إلا أن هذا لا يضعف من دورها ولا ينقص من قيمتها لأنها تبقي الوحدة الأساسية التي تشرف على إعداد الأفراد أما آراء النزعة الفوضوية والإشتراكية يكذبها الواقع لأن المجتمع البشري كما يقول اوغست كونت " ليست مجموعة من الأفراد بل هو مجموعة خلايا إجتماعية يتفتح المرء ضمنها "
التركيب : إن التجربة الواقعية تؤكد الإعتدال والتوازن في الفهم من خلال الإعتراف بالأسرة وبضرورتها في المجتمع ولأنها البيئة المثلى التي يجد فيها الصغير والكبير الجو الطبيعي الذي يساعد على النمو السوي كما أنها الإطار الأول الذي يرسم داخله السلوك الإنساني ,وتظهر أهميتها ومكانتها أكثر في بناء المجتمع من خلال الإلزام بالمهام الموكلة إليها من جهة وبتمسكها بقوانينها من جهة أخرى بإضافة إلى ضرورة تفتحها على كل التغيرات التي يعرفها العالم حتى تساير الوضع وتتجاوز الصعوبات التي تهدد كيانها ووجودها .
الخاتمة : وفي الأخير نستنتج أن الأسرة ضرورة اجتماعية لا بد منها ,لأنها المؤسسة الأم التي ترعى الأفراد ولكن حتى تكون الروابط الأسرية متينة وسلمية عليها تحقيق التكيف مع مختلف الظروف بإعادة فحص التراث الثقافي والتربوي في ضوء المشكلات الجديدة التي تواجهها ومحاولة التغلب على كل الصعوبات التي تتربص بها .
من إعداد الأستاذ: رزيق محمد العيد
مقالة جدلية : هل تماسك المجتمع مرهون بضرورة تواجد الاسرة ام زوالها ؟ مقالة جدلية : هل تماسك المجتمع مرهون بضرورة تواجد الاسرة ام زوالها ؟ Reviewed by mohamed fellag on سبتمبر 15, 2018 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.