مقالة جدلية : هل إدراك العالم الخارجي أساسه العقل أم الحواس ؟





إعداد الأستاذ : رزيق محمد العيد
الشعبة : ثالثة آداب وفلسفة
هل إدراك العالم الخارجي أساسه العقل أم الحواس ؟.
مقدمة: يعرف الانسان انه كائن فضولي بطبعه , فهو يريد معرفة الأشياء واكتشاف اسرار الوجود لانه يتميز عن غيره من الكائنات بالعديد من الوظائف النفسية والمعرفية, وهنا المعرفة لا تكون إلا بالإحساس والإدراك , فالاحساس هو ظاهرة اولية و بسيطة ,اما الإدراك فهو عملية عقلية معقدة و على هذا الأساس اختلف الفلاسفة والمفكریق حول مصدر الادراك والأساس الذي يقوم عليه فالعقلانين يرون أن اموالك العالم الخارجي يرجع الى العقل وبنقيض ذالك يرى الحسيين انه يرجع الى الحواس ,و من هذا الاختلاف والتباين في الأفكار نطرح الأشكال التالي : هل ادراك العالم الخارجي يرجع الى العقل أم الحواس ؟ وبعبارة أخرى: هل العقل مصدر الادراك ؟
الموقف الأول: پری انصار النظرية العقلية انه يجب الفصل بين الاحساس و الادراك وان العقل هو مصدر الادراك لأنه أعلى قيمة معرفية في عملية الادراك من الأحساس ولأنه أكثر وضوحا وكمالا ونتائجه يقينية بعيدة عن الشكل المطلق والاحتمالات الظنية وهو القاسم المشترك بين البشر قال ديكارت" العقل العدل قسمة بين البشر "وهو بذلك الجوهر والقاعدة والمرتكز المنطقي والفكري لمعرفة اسرار العالم بما فيها من معطيات وأفكار, أما المعرفة الحسية فتبقى ظنية بعدية لا ترقی الى درجة الدقة والمطلقية فهي خداعة ونسبية وأولية وتبقى دائما بحاجة الى صقل وتجريد ويقدم لنا دیکارت مثاله الشهير عن قطعة شمع العسل فيقول أن هذا الجسم المدرك ليس مدركا من خلال الأحاسيس المختلفة التي يتبدى لنا من خلالها كالرائحة واللون والشكل بل ان الحكم العقلي الدور الأساسي في عملية ادراكنا للجسم وذلك لان مختلف الأحاسيس المرافقة للمادة تتغير فالطعم والرائحة والرؤية تتبدل ,وعلى الرغم من ذلك فان الشمع يبقى هو نفسه بالنسبة لادراك وتؤكد التجربة الخاصة اننا نحكم على الأشياء على حقيقتها وليس حسب ما تنقله لنا الحواس فادراكنا للشمعة المشتعلة ثابت رغم ما يطرا عليها من تغيرات كما اننا ندرك العصا المستقيمة في بركة الماء مستقيمة رغم ان الاحساس البصري ينقلها لنا منكسرة ويبدو لنا الاحساس بالشمس وكانها كرة صغيرة ونحكم عليها برغم ذلك انها كبيرة واننا كلما اقتربنا من الشئ الذي تريد رؤيته ومعرفته راينا مساحات اقل وتفاصيل اكثر وكلما ابتعدنا عنه راينا مساحة أكبر وتفاصيل اقل وغيرها من الأملته التي بين ضعف الحواس ونقصها قال ديكارت "أني حين انظر من النافذة اشاهد رجالا يسيرون في الشارع مع اني في الواقع لا ارای بالعين المجردة سوى قبعات ومعاطف متحركة ,ولكني على الرغم من ذلك احكم بانهم اناس "ويقول ايضا اني ادرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت احسب اني ارى بعيني السمو الإنسان بتفكيره وعقله يصل حتى الى معرفة وجوده صوريا بالعقل قال ديكارت " انا افكر اذن أنا موجود "وعليه فالعقل هو الأساس والمنهج , أما الحواس تبق اسس بدون نتائج صحيحة وهي دائما تحتاج الى العقل ليصحح أخطاءها ويعطيها المعنى الصحيح قال ديكارت" كل ما تلقيته حتى الآن على أنه أصدق الأشياء وأوثقها قد تعلمت عن طريق الحواس غير انني اختبرت احيانا هذه الحواس فوجدتها خداعة وانه من الحذر أن لا نطمئن ابدا الى من خدعونا و لو مرة واحدة " ومن جهة اخرى اوضح الان مكانة العقل ودوره في الادراك فمعرفتنا بالأحجام والمسافات والاشكال لا تعود الى احساسنا بها وانما الى حكمنا عليها لان الاحساس بالشي يكون دائما جزئيا ومثال ذلك المكعب نحكم عليه بانه هو كذلك بالرغم من أن حاستي البصر واللمس لا تطلعاتنا الا على ثلاثة أوجه , وستة أضلاع وبينما هو عقليا يحتوي على ستة اوجه واثنی عشرة ضلع وفي هذا يقول "... ولقد شاع الزعم بان اللمس يعلمنا وهذا عن طريق الملاحظات الصرفة والبسيطة دون أي تاويل ولكن هذا غير صحيح فانا المس على التالي اضلاعا وحدودا وسطوحا صلبة وملساء ,وبردي هذه المظاهر كلها الى شئ واحد احكم بان هذا الشئ مكعب..." ويقول ايضا "ان الشيء يعقل ولا يحس بالاضافة الى ذلك نرى ايضا المناظر التي نشاهدها خاصة في اللوحات الفنية واننا نرى في الواقع بعدان هما : الطول والعرض ولكن مع ذلك ندرك بعدا ثالثا يسمى بالعمق والبروز ويتاتى ذلك من خلال تاويل المعطيات الحسية والحكم عليها بالعقل قال الأن "... والذي يشهد على اني احكم على الرسامين يعرفون كيف يمنحونني ذلك الادراك الجبل بعيد بمحاكاة المظاهر على اللوحة الا واذا راينا كرة فاننا نرى منها الجهة التي تقابلنا من دون الجهة المعاكسة لكننا نحت بانها کړة اننا ندرك عبر بعض المحسوس الحسوس كله من خلال معرفتنا وذكرياتنا السابقة ,وتضيف الادراكات على الأشياء مجموعة من الذكريات والاحكام , فتنعكس فيها تجاربنا وثقافتنا ومعرفتنا ومعتقداتنا قال الان "الادراك الحسي هو منذ بدايته وظيفة ذهنية "ويقول أيضا "الشئ يعقل ولا يحس " اما بركلي فيرى أن تقدير المبيعافات البعيدة ليس احساسا بل هو حكم عقلي يستند إلى التجربة كذلك كالية الأعمى تماثل حالة الصبي في مرحلة اللاتمايز فلا يميز بين يديه والعالم العرج ويمد يديه لتناول الاشياء البعيدة لانه يخطئ ايضا في تقدير المسافات لانعدام الخبر وقال بركلي "ان تقدير مسافة
الأشياء البعيدة جدا ليس احساسا بل حكما .. ويقول ايضا "ان مختلف الاحساسات او الافكار المطبوعة في الادراك الحسي مهما كانت مختلفة او مركبة لا يمكن أن توجد باي شكل اخر الا في عقل يدركها او عليه فالعقل هو الذي يمثل اساس المعرفة والإدراك.
التقييم والنقد : على الرغم مما قدمه أنصار النظرية العقلية ومن أن العقل مصدر الادراك الا انهم بالغوا واهملوا دور الحواس فالاحساس يمد العقل بالمادة الأولية التي يشكل منها المعرفة كما أن معطيات علم النفس تثبت أن المعرفة الإدراكية لدى الطفل الصغير تبدا بالجانب الحسي كمرحلة اولية لتنتقل بالتدرج نحو المجرد وبالاضافة الى انه لا يمكن أن نتصور ادراکا خالصا لانه في حاجة ماسة إلى سند خارجی وهذا مالم تنتبه اليه النزعة العقلية حيث ركزت على الذات المدركة من خلال الاعلاء من شان العقل وكان ذلك على حساب الموضوع المدرك والشروط الخارجية التي ينتظم بها كذلك تعتبر أحكام العقل نسبية وتخطئ في بعض الأحيان ودليل ذلك تطور المعارف الانسانية وتغيرها عبر التاريخ قال كانط "الحواس لا تخطي ابدا ليس لكونها تصيب دائما في الحكم وانما لكونها لا تحكم اطلاقا مما يضع مسؤولية الخطا على عاتق الذهن ".
الموقف الثاني : لا يرى انصار النزعة الحسية التجريبية انه يجب الفصل بين الاحساس والإدراك , وان الحواس هي مصدر الادرالقه بمعنى أنه لا توجد معارف او مبادي فطرية في العقل فجميع معارفنا بعدية بمعنى انها مكتسبة من التجربة فهي الأساس والمرجع لمعرفة ما يحيط بنا. فمثال كفيف البصر يمكنه أن يتعرف على الصفات الحسية و المعاني المتعلقة بالليمونة الألونها لانه يفقد الخاصية التي تزوده بهذه المعرفة قال ارسطو "من فقد حاسة فقد المعرفة المتعلقة بها "اما الرواقيين فيرون أنه لا توجد أفكار فطرية مجردة بل لا بد من العودة الى التجربة الحسية فمقياس المعرفة الحقة ليست الأفكار الكلية التي كوناهي پالنا وصنعناها باذهاننا بل التي اكتسبناها عن طريق الحواس , ويرى ابن سينا ان عملية الادراك تحدث بفعل تأثر الاعضاء الحسية بالمنبهات الخارجية ولذلك قالادراك الحسي هو تلك المعاني التي انطبعت صورها في الذهن بفعل الحواس حيث قال "لا اثق في أي معرفة ادراكية اذا لم تكن مسبوقة باحساس" وعليه فالحواس هي النافذة التي ينفذ منها الضوء الى العقل وهي القاعدة الأساسية التي تتم من خلالها عملية الادراك لاسيما أن العقل في نظرهم ليس شئ محددا پيل هو صفحة بيضاء و مرآة تعكس صورة التجربة الخارجية. فلا توجد افكار فطرية وليست ثمة افكار مجردة بل ما يوجد عند الحسيين الخبرات والانطباعات الحسية قال جون لوك "لا يوجد شئ في الذهن ما لم يكن من قبل في التجربة " فقد رای جون لوك أن وجود افكار فطرية في العقل امر يكذبه الواقع لان هذه الافكار ليست موجودة لدى الأطفال ولا لدى الأقوام المتوحشين ولا لدى المجانين حيث قال "لو كان الناس يولدون وفي عقولهم افكار فطرية لتساووا في المعرفة "ويقول ايضا "العقل صفحة بيضاء وبالتجربة ننقش عليه ما نشاء ", ويبين جون لوك ايضا ان الحواس هي التي تنقل الى الذهن الانطباعات الحسية المستمدة من الأشياء وهذا يعني ان ادراكنا للاشياء الخارجية متوقف على صفاتها وكيقياتها الحسية اذا كانت هذه الصفات مترابطة في الشئ فان الصور التي تحدثها في عقولنا تصل اليها وهي منفصلة أي تؤدي إلى انطباعات حسية جزئية ولكن العقل هو الذي يربط هذه الانطباعات بعضها ببعض ويكون منها ادراكا مثل ادراك البرتقالة الذي يتالف من شكلها وامتدادها وصلابتها ولونها وطعمها حيث يقول "ان ادراكنا الموضوعات الحسية يتم بناء على الصفات الحسية الموجودة في حواسنا وبالرغم من وجود هذه المحسوسات منفصلة وغير مترابطة " وعليه فالحواس هي نقطة الانطلاق الأولى والأساسية لتشكل اي معرفة قال دافيد هيوم" لو سالت الانسان مني بدا يعرف ؟ لاجابك عندما بدا يحس "لهذا فالأسيقية والأهمية القيمية هي للحواس وليس للعقل قال جون لوك " التجربة هي الأساس الوحيد لجميع معارفنا " أما العقل پحسب فرنسيس بيكون اذا ترك لنفسه بمعزل عن التجربة الحسية سوف لن ينتج الاسلاوهام وفي نفس السياق نجد دافيد هيوم يؤكد على دور التجربة والحواس في الإدراك حيث يؤكد آن افكارنا عن العالم الخارجي ماهي سوى نسخة من انطباعاتنا الحسية والمقصود بالانطباعات المعطيات الحسية المباشرة التي تتكون في الذهن نتيجة اتصال احدى الحواس بمؤثر ما في العالم الخارجي كالانطباع الذي يحدثه اللون الأخضر عندما نرى الشجرة في الحديقة كما يرى أن الفكرة مهما بلغت من درجة الوضوح والدقة فانها لا تبلغ درجة الاحساس المباشر من حيث الوضوح والتميز فالحالة المعيشية شي والحالة المتصورة شئ اخر ثم أن الفكرة الواضحة الناصعة هي الفكرة الواقعية اما الفكرة الغامضة فهي الفكرة المتخيلة التي لا سند لها في الواقع ,فائر الذات سلبي تماما ينحصر في تلقي المعطيات الحسية على صورة انطباعات والاحتفاظ بصور هذه الانطباعات على شكل صورة وافكار وترتيبيها ونقلها من البسيط الى المركب حيث قال "أن علمنا بانفسنا وعقولنا يصلنا عن طريق الحواس وما العقل الا مجرد اثر من اثار العادة " وعلى هذا الاساس ميز بين نوعين من الأفكار البسيطة والمركبة هذه الأخيرة من صنع الفكر اما البسيطة فمصدرها الحواس حيث قال في هذا الصدد "لا شئ من الأفكار يستطيع أن يحقق أنفسه ظهورا في العقل ما لم يكن قد سبقته ومهدت له الطريق انطباعات مقابلته " وقال أيضا "انا لست الا حزمة من الادراكات الحسية كل الافكار نسخ مباشرة أو غير مباشرة من الانطباعات الحسية "ولهذا فأي معرفة او ادراك الموضوع معين ومعرفة اسراره ومنطلقاته وأسسه الرئيسية انما ترجع إلى التجربة والحواس فهاته الأخيرة هي التي تنقل المحسوسات و توضح الأسس, فلاطفال لا يدركون الارقام والأشكال مجردة الا اذا اعطت لهم على شكل اشياء محسوسة قال جون ستيوارت ميل" ان الطفل لا يدرك فكرة العدد الا اذا قدمناه له على شكل معطيات حسية لهذا تبقى الحواس اصل المعرفة , والتجربة منهجها وطريقها.

التقييم والنقد : على الرغم مما قدمه انصار النظرية الحسية من أن الحوار جوهر العملية الإدراكية , الا ان هذه النظرية تتميز بطابع مادي متطرف. فالمعرفة الحسية نسبية وذاتية و بالتالي قد تخطئ وهذا ما يوضحه الواقع على انها حادثة متغيرة باستمرار تزول بزوال الاشياء المحسوسة ,ويلزم عن هذا أن يكون الأحساس بالموضوع الواحد متعددا وغير منظم وهذا ما يتنافى مع شروط المعرفة ومقوماتها ,ومن جهة أخرى أهمل الحسيين دور العقل وجعل منه جهازا سلبيا يقتصر دوره فقط على تنظيم الصور الحسية في حين أنه بناء ذهني معقد تتداخل فيه الكثير من الوظاتف كالحكم والتفسير والتأويل كذلك كيف نفسر سلامة الحواس احيانا دون حصول عملية الادراك وذلك ما يحدث مع المجنون والرضيع ,وهذا ما يدل على أن الإحساس لا يمدنا بالمعرفة ذاتها لاسيما أن طبيعته الحيوية تطغى على طبيعته النفسية و بالتالي فهو ليس شرطا كافيا للمعرفة والادراك قال بول غيوم "ان الاحساس الخالص من خلق السيكولوجيين النظري وليس ظاهرة واقعية "

التركيب : « د ی معرفة العالم الخارجي واواگه ترجع الى العقل والحواس معا , ولا يمكن الفصل بينهما وان كان الفصل , فهو فصلا منهجي و منطقي, اما من الناحية العملية فيستحيل ذلك , وهذا ما ذهبت اليه النظرية النقدية الكانطية التي وجدت توفيقا بين الرأي العقلي والتجريبي بحيث أن الحواس تمكننا بالاتصال المباشر بالعالم الخارجي فتمد العقل بالمعطيات الحسية. لكن المادة المعرفية لا يكون لها معنى محدد الا اذا تدخل العقل ورتبها ونظمها وفق تصوراته ومبادنه لتتحول الى معارف مجردة قال كانط" الحدوس الحسية بدون مفاهيم عقلية عمياء والمفاهيم العقلية بدون حدوس حسية جوفاء" وسعني هذا أن المعرفة تعود الى المقولات والمبادئ العقلية الفطرية لكنها فارغة بدون احسادات وكذلك بالنسبة الى الاحساسات فهي فوضى وخليط مشتت بدون عقل لها ويربط بينها ويوحدها . وراري الشخصي أن مصدر الادراك هو تزواج وتداخل بين الحواس والعقل فالاحساس كمعرفة اولية و بسيطة يحتاج الى صقل وتجريد عقلي ,والعقل نفسه بحاجة الى التجربة الحسية لانها بمثابة الجسر الذي يعبره اثناء ادراکه للموضوعات .

الخاتمة: وفي الأخير نستنتج انطلقا من التكامل الموجود بين الحواس والعقل يمكن القول ان علاقتنا بالعالم الخارجي تتوقف على كليهما فالحواس تنقل الينا انطباعات مادية ليتم ترجمتها وتفسيرها عن طريق العقل و عليه فلا يمكن الفصل بينهما لان أي خلل يحدث في احدى الوظيفتين يؤثر سلبيا على هذه العلاقة قال الله تعالی "والله أخرجكم من بطون امهتكم لا تعلمون شينا وجعل لكم السمع والأبصار والاقندة لعلكم تشكرون "

مقالة جدلية : هل إدراك العالم الخارجي أساسه العقل أم الحواس ؟ مقالة جدلية : هل إدراك العالم الخارجي أساسه العقل أم الحواس ؟ Reviewed by mohamed fellag on سبتمبر 15, 2018 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.