هل الذاكرة ذات طبيعة اجتماعية ام فردية؟


من إعداد الأستاذ : رزيق محمد العيد
الشعبة :ثالثة آداب وفلسفة
هل الذاكرة ذات طبيعة اجتماعية ام فردية؟
المقدمة :
يعيش الإنسان حياة متداخلة الابعاد, فهي تحتوي الماضي والحاضر والمستقبل, وذلك من خلال تعامله مع موضوعات العالم الخارجي , فاذا كان معرفة الحاضر وفهمه ترجع الى الاحساس والادراك اما التنبؤ بالمستقبل هو من مهمة الخيال أما الرجوع الى الماضي ومعرفته يكون بالذكراة التي تعرف أنها وظيفة نفسية تتمثل في اعادة بناء حالة شعورية ماضية مع التعرف عليها من حيث هي كذلك وعلى هذا الأساس اختلف الفلاسفة والمفكرين حول طبيعة الذاكرة و فمنهم من يرى أنها ذات طبيعة اجتماعية وبنقيض ذلك هناك من يعتقد انها ذو طبيعة فردية ومن هذا الاختلاف والتباين في الأفكار نطرح الاشكال الاتي هل الذاكرة طبيعة اجتماعية؟
الموقف الأول: يرى علماء الاجتماع امثال هالفاكس ودور کایم ان الذاكرة ذات طبيعة اجتماعية فالذكرى تبدا وتنتج وتخزن عندما يبدا الارتباط بالمجتمع قال هالفاكس" الجماعات التي انا جزء منها تقدم لي في كل أن الوسائل الكفيلة باعادة تركيب هذه الذكريات " وقال ايضا: "اني في اغلب الاحيان عندما اتذكر فان الغير هو الذي يدفعني الى التذكر, لان ذاكرته تساعد ذاكرتي ,كما أن ذاكرتي تعتمد على ذاكرته" وهذا يدل على أن الذكريات في أصلها عبارة عن ادراکات مشتركة بين مختلف الأفراد الذين ينتمون الى جماعة معينة واستحضار هذه الذكريات لا يعني استرجاع الصور او حالات نفسية ماضية بل هو اعادة الخبرات السابقة وفق متطلبات الحاضر والفضل في ذلك يعود إلى الأطر الاجتماعية المشتركة واهمها اللغة, فالفرد المعزول عن المجتمع لا يستطيع ان يتذكر لان هذا الفعل لا يتم الا بالتعبير اللغوي واللغة هي نسق من الرموز الاصطلاحية والاشارات التي تواضعت عليها الجماعة ويقول هالفاكس " لا وجود لذكريات مقطوعة الصلة باللغة", وقال أيضا: "ان اللغة و جملة نسق الاصطلاحات الاجتماعية التي تدعمها هي التي تمكننا في كل لحظة من اعادة بناء ماضينا". ولهذا فاننا ننطق بذكرياتنا قبل استحضارها لان اللغة هي التي تقدم لنا الموادالأساسية في ذلك وتكون الذكري قوية بقدر ما ارتبطت باكبر عدد من الأطر الاجتماعية اما النسيان فيحدث نتيجة اختفائها اي اننا ننسى ما نعجز عن تسميته وتصنيفه وربطه بمكان وبزمان محدد قال هالفاكس "نحن لا نستطيع أن نتذكر الا شريطة أن نعثر في أطر الذاكرة الجماعية على مكان الحوادث الماضية التي تهمنا فالذكرى تكون غنية بمقدار ما تنبعث في نقطة التقاء اكبر عدد من هذه الأطر ... ويفسر النسيان باختفاء هذه الأطر او جزء منها سواء كان انتباهنا غير قادر على الانجذاب نحوها او كان منجذبا نحو شيء اخر". اما " ايميل دوركايم" فقد اعطى الأولوية للعقل الجمعي فلولا الاخر لما تمت عملية التذكر لذلك يجب العدول عن الفكرة القائلة بان الماضي يحفظ في الذاكرة الفردية فالعادات والتقاليد والاحتفالات والمناسبات المختلفة ... الخ كمنجزات مشتركة هي اساس بناء الذكريات قال دور كايم " اذا تكلم ضميرنا فان المجتمع هو الذي يتكلم فينا"
التقييم والنقد: برغم مما ذهب اليه انصار النظرية الاجماعية على انها الذاكرة اساسها المجتمع لكن لايمكن انكاران هناك ذكريات خاصة مرتبطة بميولات واهتمامات كل فرد ولا مشاركة للاخرين فيها وبالتالي عدم امكانية أن يحل المجتمع محل الفرد في حفظ ذكرياته واسترجاعها .
الموقف الثاني: پری انصار النظرية الفردية (المادي و النفسي) أن طبيعة ذكرايتنا سواء ارتبطت بالبعد المادي أو بالبعد النفسي يعود إلى البناء الفردي للشخص فبرغم الاختلاف
القائم بينهما الا انهما يتفقان في القول بالطابع الفردي للذاكرة اي ان مصدرها الذات فالذاكرة يعود عملها الى عمل الدماغ الذي يسهر على ربط الذكريات في خلايا القشرة الدماغية التي تعمل بدورها على حفظها كما أنها تقوم بتنظيمها حتي يسهل تخزينها واسترجاعها عند الحاجة , قال "ريبو" أن الذاكرة بطبيعتها عمل بيولوجي" وقال ايضا "انها وظيفة عامة للجهاز العصبي تنشا عن اتصاف العناصر الحية بخاصية الاحتفاظ بالتبادلات التي تطرا عليها وبقدرتها على ربط هذه التبادلات بعضها ببعض "فالدماغ هو عبارة عن منبع للذكريات فهو يستقبل ويحفظ مختلف الحوادث اليا وفق ارتباطات دينامكية بين الخلايا العصبية قال جون دولاي "يمكن للذكرى ان توجد دون أن تظهر ولكن لا يمكنها الظهور دون مساعدة الدماغ " هذا من جهة ومن جهة أخرى أن حدوث اي اصابة على مستوى هذه الخلايا يؤدي إلى فقدان جزئي أو كلي للذكريات قال بن سينا "ان الذاكرة هي قوة محلها التجويف الأخير من الدماغ" اما الاتجاه النفسي فيرى أن الذاكرة وظيفة نفسية لارتباطها بالشعور قال برغسون أكل شعور هو ذاكرة", فلقد اكد انها جوهر روحي محض اي انها ظاهرة سيكولوجية فكل حلقات الماضي يتم تسجيلها بمجرد أن يتم شعورنا بها ولقد ميزبرغسون بين نوعين من الذاكرة: ذاكرة حركية مرتبطة بالجسم يغلب عليها الطابع الالي لانها تكسب بفعل التكرار. وذاكرة نفسية ,وهي بمثابة ذاكرة الصور والمعاني التي تتاملها ونعيش لحظاتها من جديد في الحاضر وهي الذاكرة الحقة لأنها مرتبطة بديمومة الشعور التي تعبر عن الذاتية الخالصة والماهية الفردية وهذه الذاكرة تقوم باستحضار الماضي صورة واحدة مصحوبة بالشعورولا تحتاج الى التكرار لأنها جزء لا ينقطع عن تجاربنا قال برغسون "ان تسجيل الذاكرة لوقائع و صور فريدة من نوعها يتواصل خلال جميع فترات الديمومة ..."

التقييم والنقد: برغم مما قدمه انصار النظرية الفردية من أنا الذكريات ترجع الى الفرد سواء في الجانب العضوي أو النفسية الا انهم اهملوا الجانب الاجتماعي للذاكرة فبماذا فسر وجود ذكريات جماعية وخبرات مشتركة تتجاوز حدود الذات وتعبر عن الكثير من المواقف الجماعية والمناسبات الوطنية والدينية؟
التركيب: ا آن طبيعة الذاكرة تقتضي وجود تفاعل بين التأثيرات الاجتماعية والنفسية والجسمية فاذا كان البعد الفردي يمثل حجر الأساس في تكوين الذكريات فان البعد الاجتماعي كعامل مساعد يساهم بقدر كبير في اثرائها باعتبار الفرد عنصر من المحيط الاجتماعي الذي ينتمي اليه.
الخاتمة: في الاخير نستنتج أن الذاكرة وظيفة عقلية معقدة تساهم في تركيبها عوامل عديدة منها العامل الفردي بابعاده البيولوجية والنفسية والعامل الاجتماعي وما يتضمنه من اطر اجتماعية مختلفة
هل الذاكرة ذات طبيعة اجتماعية ام فردية؟ هل الذاكرة ذات طبيعة اجتماعية ام فردية؟ Reviewed by mohamed fellag on سبتمبر 18, 2018 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.