مقالة جدلية : هل يمكن الفصل بين الاحساس والإدراك ؟




مقدمة: يعرف الانسان انه كائن فضولی بطبعه , فهو يريد معرفة الأشياء والوصول الى حقيقة الوجود , وذالك بالتكيف والتأقلم المستمر مع العالم الخارجي , وهذا لا يكون إلا بالإحساس والإدراك ,فالإحساس هو عملية اولية وبسيطة تنتج عن تاثر احدى الحواس بمنبه خارجي , أما الادراك فهو عملية عقلية ونفسية هدفه تفسير وتؤويل المعطيات الحسية التي من خلالها ندرك الاشياء ونعقلها ونعطيها معنی مناسب. وعلى هذا الأساس اختلف الفلاسفة والمفكرين فهناك من يرى أنه يجب الفصل بين الاحساس والادراك وبنقيض ذالك فهناك من يرى أنه يستحيل ذالك , ومن هذا الاختلاف والتباين في الأفكار نطرح الاشكال الاتي : هل يمكن التمييز بين الاحساس والادراك؟
الموقف الأول : يرى كل من العقليين والحسيين انه من الضروري التمييز بين الاحساس والادراك, فالعقليين يرون أن الاحساس مجرد عملية فيزيولوجية ولا يمدنا الا بمعارف أولية في حين الادراك هو عملية عقلية تعتمد على الذهن وتدخل فيها الكثير من العمليات النفسية المعقدة فهو من فعالياته العليا لذالك فهو اساس معرفة الأشياء ومصدر اضفاء المعاني والصفات على الأفكار, كما أن الاحساس معارفه بعدية ونتائجه ظنية واحتمالية وكثيرا ما توقعنا الحواس في اخطاء قال سقراط " ان الحواس تخدعنا خداعا كبيرا " أما الادراك فهو كلي ومطلق لان مصدره العقل الذي هو صادق وبديهي وواضح قال ديكارت " اني ادرك بمحض ما في ذهني ما قوة الحكم ما كنت احسب اني ارى بعيني " أما الحسيين فيرون أن الحواس هي الأصل الأول لإدراك العالم الخارجي وان كل ما يحصل لدينا من معارف ومكتسبات صادرة عن التجربة الحسية لأنها معرفة بعدية تكتسب بالتجربة قال دافيد هيوم " إن الحواس نوافذ عملاقة يطل منها العقل لإدراك العالم الخارجي " بعكس العقل الذي يختصر دوره في تنظيم الاحساسات فقط لهذا انكر الحسيين الأفكار الفطرية وآمنوا بالخبرة المكتسبة , اذن فالعقليين ميزوا بين الاحساس والادراك من حيث طبيعة وقيمة المعرفة المتأتية من كلاهما , والحسيين أيضا يقرون بضرورة التمييز بين الإحساس والادراك ولكن ليس بالنظر الى طبيعة او قيمة كل منهما بل النظر الى درجة وشدة التعقيد فيهما.

التقيم والنقد: صحيح انه من الضروري التمييز بين الاحساس والادراك وانه هناك امكانية الفصل بين الطرفين ولكن في حقيقة الأمر لا يمكن الفصل بين العمليتان لانه لايمكن تصور وجود أي عملية ادراكية دون المرور الى العملية الحسية ولا يمكن للانسان ان يدرك او يعقل شيء دون أن تحس به اعضائه الحسية فالاحساس والادراك وجهين مختلفين لظاهرة نفسية واحدة. وهذا ما يؤكد عليه علم النفس الحديث ويقول في هذا الشان ريد "الادراك هو الاحساس المصحوب بانتباه".

الموقف الثاني : پری انصار النظرية الجيشطالتية والظواهرية انه يستحيل الفصل بين الاحساس والادراك , لانهما شيء واحد , وعليه نادت الجيشطالت ان الشكل الخارجي للموضوع وبناءه العام هو الذي يحدد درجة الإدراك والذي يكون بصورة كلية وشاملة قال بول غيوم " إن الوقائع النفسية صور أي وحدات عضوية تنفرد وتتحد في المجال المكاني والزماني للادراك وتخضع الصور بالنسبة للادراك المجموعة من العوامل الموضوعية "فالعالم الخارجي يوجد على شكل صيغ منتظمة وفق قوانين معينة وهذا التنظيم يفرض نفسه على العقل ,لان الادراك ليس تجميع للاحساسات بل انه وحدة منظمة ومتماسكة من مجموعة من العناصر والأجزاء المتفاعلة قال بول غيوم "ليس الادراك تجميعا للاحساسات بل هو وحدة واحدة " فادراك الحسي ناتج عن انتظام الاشياء في المجال الادراكي بمعنى اننا ندرك الصورة الكلية قبل العناصر الجزئية لان حقيقة الشيء المدرك ليست الأجزاء التي يتالف منها بل شكله وبناءه العام لان الجزء لا يكتسب معناه الا داخل الكل وهذا الكل ينظم وفق قوانين تعرف بقوانين تنظم المجال الادراكي وهي عامل التشابه , ومعناه أن الاشياء المتشابهة في الشكل أو اللون أو الحجم تكون سهلة اللادراك ونميل الى ادراكها كيصغ متميزة على غيرها , كذلك عامل التقارب , وهو أن الموضوعات والاشياء القريبة في الزمان والمكان تميل الى ادراكها بشكل كلي باضافة الى ذلك هناك عامل الشكل والارصية ,وهو أن كل موضوع في العالم الخارجي له شكل و ارضية تساعد في عملية الادراك ,ويوجد كذلك عامل الاغلاق , و هو ان الاشياء الناقصة تميل الى ادراكها كاشياء تامة وكاملة أي نميل إلى ملء الفجوات الموجودة فيها , وهناك قانون الشمول ويعني ان الانسان بامكانه أن يدرك الموضوع كاملا وشاملا رغم وجود بعض النقص فيه , اما النظرية الظواهرية فترى انه لا يمكن الفصل بين الاحساس والادراك وان الادراك ليس تأويل للاحساس بل هو امتلاك المعنى الداخلي للمحسوسات قال هوسرل " اري بلا انقطاع هذي الطاولة سوف اخرج و أغير مكاني ويبقى عندي بلا انقطاع شعور بالوجود الجسمي , الطاولة واحدة في ذاتها لا تتغير وان ادراكي لها يتنوع ويتغير " , فالعالم ليس هو ما نفكر فيه بل العالم الذي نحياه ونعيشه كتجربة قائمة و معايشة قصدية مع العالم الموضوعي بواسطة الشعور الذي يعطي لأشياء قيمة حيوية قال ميرلوبونتي " أن الإدراك هو ذالك الاتصال الحيوي بالعالم "..
التقييم والنقد : برغم مما ناد به الجيشطالت والظواهريين في عدم تميزهما بين الاحساس و الادراك الا أن الواقع يثبت أن كلاهما ذو خصائص متفرقة وكل لدية خصوصياته في البحث والوصول الى الحقيقة , كما نستطيع من الناحية المنهجية والمنطقية الفصل بينهما .

التركيب: ان الفصل بين الاحساس والادراك امر يستحيل اثباته, فالاحساس والادراك في حقيقة الامر وجهان مختلفان لعملية نفسية واحدة, فلا يمكن للادراك أن يتصل بشيء ليعطيه معناه دون أن تكون له وسائط تربطه بالعالم الموضوعي وتلك الوسائط هي الأعضاء الحسية والتي تمثل عملية الاحساس ولا يمكن أن يكون هناك أي معنى للصور الذهنية التي تنقلها الينا الأعضاء الحسية اذا لم تتوج بتحليل وتفسير وبناء معنى لها عن طريق ادراكها وتعقله
الخاتمة : أن الدراسات الحديثة في علم النفس وفي العلوم بصفة عامة اثبتت استحالة الفصل بين عملية الاحساس والادراك فالفصل القائم بينهما فصلا نظريا ناشئ عن تفسيرات مذهبية او مقتضيات ذاتية فقط اما من الناحية العملية فلا يمكن أن نتحدث عن ذلك الفصل.

من إعداد الأستاذ : رزيق محمد العيد
مقالة جدلية : هل يمكن الفصل بين الاحساس والإدراك ؟ مقالة جدلية : هل يمكن الفصل بين الاحساس والإدراك ؟ Reviewed by mohamed fellag on سبتمبر 10, 2018 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.