هل الابداع تتحكم فيه شروط اجتماعية ؟




مقدمة:
يعتبر الأنسان كائن فضولي بطبعه فهو يطمح دائما إلى التجديد والتغيير في فكره وفي الواقع الذي يعيش فيه لأن نظرته تبحث فيما يجب أن يكون وليس فيما هو كائن ,هذا التصور مصدره الخيال والذي هو قدرة الفكر على استحضار الصور بعد غياب الأشياء التي أحدثتها او هو تركيب الصور ترکیبا حراهذا الخيال نوعان :تخيل تمثيلي يتميز بتكرار و العفوية , وتخيل ابداعي يمتاز بالخصوبة والتجديد هذا الأخير اختلف الفلاسفة والمفكرين حول شروطه والعوامل المتحكمة فيه فمنهم من يرى انها شروط ذاتية متعقلة بالذات المبدعة ومؤهلتها وقدرتها المختلفة , وبنقيض ذلك هناك من ارجعها الى عوامل اجتماعية التي ترتبط بالمجتمع والدور الذي يقدمه والظروف التي يهينها للمبدعين ,ومن هذا التباين والاختلاف في الأفكار نطرح الاشكال الاتي : هل الابداع يعود الى عوامل اجتماعية ام ذاتية ؟وبعبارة أخرى : هل الابداع تتحكم فيه شروط اجتماعية ؟


الموقف الأول: پری انصار النظرية الاجتماعية أن الابداع ينشئ وينمو بصفة حتمية في المجتمع فالمبدع كائن يعيش بين أحضان المجتمع وشخص له العلاقة التامة بما تمليه عليه الحياة الجماعية , هذا كله بالطبع ينعكس على المبدع وعلى طبيعة ابداعه فحاجة المجتمع للتطور والخروج من دائرة التخلف دفعت المبدعين والعباقرة الى الابداع لذلك قيل "الحاجة أم الاختراع" ويقول دوركايم " يتوقف الإبداع على درجة التطور والنمو الاجتماعي وحاجة المجتمع من جهة أخرى "فالمحيط الاجتماعي هو الذي يوفر لنا المناخ الملائم والارض الخصبة للابداع نظرا لما يقدمه من امكانيات ووسائل مادية و ومعنوية قال نيوتن "الابداع ليس غاية في ذاته بل هو اشباع حاجيات المجتمع" فالمبدع يتاثر بالمستوى المعيشي داخل اسرته ومجتمعه من فقر او غناء أو حرمان ,فالفقير لا يبدع كالغني سواء من الناحية الاجتماعية أو الأسرية وهذا ما نشاهده في الواقع من ضرورة توفير الجو المناسب للمبدع, فمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية تجد لفنة المبدعيين الملايين من الدولارات على شكل مخابر واجهزة و قروض ليطوروا ابداعاتهم ويخرجون بها على ارض الواقع لينتفع منها مجتمعهم. أما المبدعون في العالم الفقير المتخلف فسيجدون افكارهم مجرد نظريات يكتبونها وافكار يكثرونها لانهم لم يجدوا الاهتمام ولم تجد أعمالهم الاقبال والتشجيع والتحفيز على عكس ما يجده المبدعون من جو مناسب في الدول المتقدمة التي تسعى الى استثمار افكارهم واعمالهم قدر الامكان, واعية بذلك أهميتهم واهمية اعمالهم قال ريبو " مهما كان الابداع فرديا فانه يحتوي على نصيب اجتماعي" وشواهد كثيرة تؤكد أن عملية الابداع هي انعكاس للواقع الاجتماعي وظروفه المختلفة فهو شاهد على روح العصر و الثقافة السائدة فيه فادب الفروسية مثلا :هو تجسيد لطبيعة المجتمع القبلي و"الياذة هوميروش ", لم تنشا في ذهن مبدعها من العدم بل من وقائع حرب طروادة ومن المعتقدات الخرافية السائدة آنذاك في اليونان ,وهذا ما يدل على أن كل ابداع هو وليد عصره ويتلاءم مع الأفكار السائدة فيه , ومن جهة أخرى, فمن غير الممكن أن نسجل هذا التقدم التكنولوجي والتقني لاسيما في مجال الاتصالات والمعلوماتية في عهد اخر لان حالة العلم لم تكن تسمح بذلك والظروف الحضارية الحالية هي الوحيدة القادرة على تحقيق ذلك. كذلك طبيعة النظام السياسي في الدولة ودرجة تطور العلم فيها عامل مهم في وجود الابداع فلولا حرية التعبير والديمقراطية والاهتمام بالعلم وتقديسه لما ظهرت لنا ابداعات لويس باستور الناجحة بشان ظاهرة التعفن الذي يصيب البكتيريا ومثبتا ان منشؤها في الهواء وبفضل طريقتي التلازم في الحضور والتلازم في الغياب استطاع أن يحارب مرض الجمرة الخبيثة الذي كان يصيب الأغنام ,حيث اخذ مجموعتين من الأغنام ونقل المرض الى احدى المجموعتين وطعم الأخرى بلقاح مضاد ,واثمرت العملية , فالمجموعة المطعمة قاومت المرض والمجموعة الثانية هلكت وبذلك ساهم في تطوير فكرة التطعيم كطريقة فعالة في الوقاية من الأمراض وعلاجها ,كما عرفت الدراسات العلمية الظواهر الحية أنواعا مختلفة من التجارب منها :تجارب التهديم حيث يقوم العالم بقطع العضو أو استئصاله قصد التعرف على وظيفته وتاثيره على بقية الاعضاء مثلا قطع عصب ,وتجارب اخرى تقوم على تغيير نظام الغذاء كتجربة كلود برنارد حول بول الأرانب وتجارب أخرى متنوعة ومتعددة حيث انتقلنا من التشريح الى الميت الى التشريح على الحي كما ان اكتشاف الوراثة المعاصرة لعنصرADN وتطور زراعة الأعضاء وعلم الجنيات وصناعة اجهزة المراقبة الدقيقة واكتشاف المضادات الحيوية للامراض واكتشافات مندل" في الوراثة واختراعات اسحاق نيوتن في حساب النهايات وظهور الهندسة اللاقليدية على يد ريمان و الوبا تشيفسكي, واختراع التليغراف الكهربائي من طرف سنتهيل وويتستون ... هؤلاء العلماء وغيرهم ابدعوا لان حالة العلم في عصرهم بلغت درجة معينة من التقدم والتطور وعليه فلعملية الإبداعية وشروطها ترجع الى المجتمع.

النقد: على الرغم مما قدمته النظرية الاجتماعية من أن الابداع ذا شروط اجتماعية الا انهم بالغوا واهملوا الشروط الذاتية المتعلقة بالفرد ثم ان الشروط الاجتماعية لوحدها لا تكفي وهذا ما لمسناه عبر التاريخ فابداعات بن خلدون في علم الاجتماع لم يكن لها صدى واسع لان الحضارة العربية كانت تمر بعصر الضعف و انحطاط ,ولا ننسى معارضة محاكم التفتيش لغاليلي وكوبرنيك عندما خالف نظام بطلميوس وتعاليم ارسطو , قال روني بواریل "الجماعة غالبا ما تعارض شجاعة المخترع بروح مستقرة وجامدة ,ففي الفن مثلا ما اكثر الاعمال التي لم تقدر حق تقديرها الاصطدامها بالذوق الجماعي في عهدها "كذلك لو كان العمل الإبداعي رهن ظروف المجتمع وقدرته فكيف يمكن أن نفسر وجود مبدعين في مجتمعات متخلفة ؟

 الموقف الثاني : پری انصار النظرية الذاتية ان الابداع يرجع الى شروط ذاتية متعلقة بشخص المبدع , فلعوامل العقلية والنفسية لها دور في عملية الابداع , فالأولى هي نتاج المبدع وقدراته أي وليدة الفكر فهي فعل واع خاضع للتامل والرؤية والإرادة والتصميم وهي صفات لا تتوفر عند العامة من الناس قال دولا کروا "الابداع جهد واع وتمثل ناقد وارادة بناءة " والابداع تنظيمات من عدد من القدرات العقلية البسيطة وتتمثل في : الحساسية بالمشكلات واعادة التنظيم ,وعامل الطلاقة أي التفكير الحر المنطلق ثم عامل المرونة ثم عامل الاصالة وعامل القدرة والتحليل ويليه عامل التركيب وأخيرا عامل التقييم هذه العناصر هي المكونات الرئيسية للابداع في مجال العلم حسب جليفورد قال نيوتن " اني اجعل موضوع بحثي دائما نصب عيني وانتظر سطوع الانوار رويدا رويدا ,او شينا فشيئا ,الى ان تتحول الى ضياء ساطع تام " وما يؤكد ارتباط الابداع بالعوامل الذاتية والفروقات الفردية فهذه العملية لا يمكن أن تكون ثمرة المجتمع لانها تنسب فقط الى فئة معينة من الناس يمتلكون مواصفات خاصة حددها العالم ماكاندليس في : الثقة بالنفس والاستقلال بالراي الشجاعة في ابداعه وقوة الإرادة والتامل والحماس وحب الاستطلاع والاندفاع قال روني بواریل او على العموم فان المخترع انسان متحمس ان لم نقل انه ولوع اما الثانية فهي العوامل النفسية, فعملية الخلق تحتاج الى مواهب فردية يتم من خلالها تجسيد ما يختلج في النفس والفكر من معاني وصور ,وهذا ما تتوفر عليه فئة النخبة من الناس ,فالابداع هو بمثابة الهام يشرق على النفس وكشف يطالعها حيث يثير فيها حالات انفعالية وفكرية مميزة تساعد على بناء ماهو جديد ومخالف لما هو في الواقع وعموما اذا قمنا باستقراء التاريخ نجد كل المبدعين يختلفون عن غيرهم لاسيما وانهم يمتازون بالحساسية الفائقة والقدرات العالية حيث تشدهم رؤية الأشياء الغامضة وكشف اسرارها كما يتسمون بالالحاح في الاستفسار والميل إلى شرح وجهات نظرهم ومناقشة افكارهم وعرض النتائج التي يتوصلون اليها قال بوانكاري بقوله "الحظ يحالف النفس المهينة" , بالاضافة الى الالهام والعبقرية فالمبدع ينساق وراء خیالات خفية مثل الاشراق او الفيض ,فهذه العملية تحدث فجاة وفي ظروف لم يكن فيها الفكر مشغولا وهذا حال الكثير من العلماء والفنانين والشعراء والادباء حيث يصفون اللحظة التي تهبط على أذهانهم وانها فكرة حدسية ملهمة كالضوء او الومضة المضيئة كما ينظر افلاطون الى الابداع على انه مظهر من مظاهر العبقرية وان الفنان انسان موهوب احتضنته الالهة وخصته بنعمة الالهام ومن يحمل هذه الرسالة هم افراد قلائل ذوي حس مرهف ممتلئ بالعاطفة حيث قال "ان الشاعر كائن بشري اثيري مقدس ذو جناحين لا يمكن ان يبتكر قبل أن يلهم فيفقد صوابه وعقله ومادام الانسان يحتفظ بعقله فانه لا يستطيع ان ينظم الشعر "فالالهام يعبر عن لحظات الابداع الفجائية حيث أن هذه اللحظات تكون مصحوبة بازمات انفعالية تبدو بعيدة عن العمليات العادية للعقل والشعور بعيدة عن الحكم الإرادة وسيطرتها تاتي غير متوقعة قال أبو حامد الغزالي "الالهام كالضوء من سراج يقع على قلب ذائق ولطيف ,فارغ "وعليه فالمبدع فرد متميز باستعداده و مواهبه التي غالبا ما تكون ثمرة الالهام والحدس أي المعرفة الفجائية التي ليست لها مقدمات من التفكير والتروي قال نيتشه "ان الفنان اسير في يد قوة عليا تسيطر عليه وتوجهه الى غاياتها " وهكذا فان الأصالة الذاتية للمبدع تتجلى في أن ما يقدمه غير ناتج عن مجتمع او تاریخ و غیر خاضع لقوانين او نوامیس ,بل هو شرارة تضئ في ذهن المبدع فجاة بحيث يصعب علينا تفسيرها أو تحديد خصائصها او مقارنتها , ثم ان الحالة النفسية للافراد المبدعون تتميز بوجود حالة نفسية خاصة يقودها خصوصا الانفعال الايجابي الذي يقود المبدع الى تقديم اعمال رفيعة المستوى فمثلا الشاعر الذي يهجو او يغازل اذا ما كانت حالته الشعور صادقة وتتماشى مع طبيعة الموضوع كان عمله بدرجات عالية على تلك الأعمال التي تتقدم ببرودة اعصاب قال برغسون الى القول "ان العظماء الذين يتخيلون الفروض والابطال والقديسيين الذين يبدعون المفاهيم الأخلاقية لا يبدعونها في حالة جمود الدموانما يبدعون في حالة جو حماسي وتيار ديناميكي تتلاطم فيه الافكار " وقال يوسف مراد "انه يؤدي الى تنشيط المخيلة فتتدفق المعاني والصور وتمهد السبيل إلى الاختراع والابتكار ", ويرى فرويد أن العملية الابداعية هي تجاوز العقد نفسية مكبوتة منطلقها اللاشعور , فتلك المكبوتات يقوم صاحبها بتفجيرها على شكل اختراعات وابتكارات متنوعة ومختلفة حيث قال " السلوك المبدع انما هو انطلاق الانفعال الحبيس الناتج عن الصراع " ويقول كيوبي "... ولهذا كان من الطبيعي أن نقترض أن اللاشعور هو منبع دوافع الابداع ومصدر الهام العظيم في حياة البشرية بالاضافة الى عامل الدافع الذي هو سببا في الابداع ,فالفرد يبدع اساسا لارضاء ذاته قالشوق الى التطور والنضج والميل إلى تنشيط القدرات هي قدرات تعزز وجود الانسان وتزيد من قوة ارادته على الخلق مثل "طه حسين " فعلى الرغم من اعاقته الكفيف والا انه اصبح في الصدارة , و عليه فلابداع يرجع الى شروط و عوامل ذاتية خاصة بالجانب السيكولوجي والعقلي للفرد.

النقد والتقييم: على الرغم مما قدمته النظرية الذاتية من أن الابداع يرجع إلى عوامل متعلقة بشخص المبدع ,الا انها بالغت واهملت الجانب الاجتماعي في ذلك وقالعقربية الفردية اذا لم تجد المناخ الاجتماعي المناسب يمكن أن تذوب وتتراجع والتجربة الواقعية تبين أن هناك أفراد يمتلكون قدرات عقلية ونفسية نادرة ومع ذلك يبدعون لقلة الإمكانيات ,وهذا ان دل على شئ فانه يدل على أن الفرد لا يمكنه الابداع من تلقاء نفسه الا في ظل مجتمع يساعده ويعمل على تشجيعه فالانسان بطبعه كائن اجتماعي و عليه فسوف تكون ابداعاته مرتبطة بشروط اجتماعية قال لاكومب "ان الاختراع تنظيم اجتماعي "

التركيب: ان عملية الإبداع وشروطها تقوم على مدى التفاعل بين العوامل الاجتماعية والذاتية فالطرف الأول يكمل الثاني حيث لا فائدة للعوامل النفسية بدون وفرة الامكانيات والوسائل المادية منها والمعنوية التي يقدمها المجتمع كما لا قيمة للعوامل الاجتماعية بغياب الذات المبدعة التي تحمل استعدادات فطرية تجعلها قادرة على صنع المستحيل لذلك قيل "ان الالهام وحده يصبح مجرد تصور وافكار خاوية والامكانيات والوسائل بدون حدوس تبقي فارغة "ومنه فالعلاقة بينهما تكامل وتداخل.

 الخاتمة: وفي الأخير نستنتج أن الابداع ظاهرة انسانية تتحكم فيه من جهة شروط ذاتية ومن جهة أخرى شروط اجتماعية فهو ينمو ويزدهر بتفاعل وتكامل الشروط مع بعضها البعض لانه سحر يقدمه للفكر البشري والانساني الذي يطمح إلى تقديم البدائع وتجديد الصنائع وتطوير الأشياء وابتكار الوسائل والبدائل.












هل الابداع تتحكم فيه شروط اجتماعية ؟ هل الابداع تتحكم فيه شروط اجتماعية ؟ Reviewed by mohamed fellag on أغسطس 08, 2018 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.