هل ترى أن نجاح الفكرة هو معیار صحتها ؟




مقدمة: من بين المواضيع التي اهتمت بها الفلسفة قديما وحديثا موضوع الحقيقة ,والتي تعني مطابقة التصور او الحكم للواقع او هي جوهر الشئ وماهيته ,و الحقيقة ترتبط اساسا بنظرية المعرفة هذه الأخيرة تبحث عن أصل الحقيقة ومقاييسها ومصدرها, وانبثقت من خلالها اتجاهات فكرية ومذاهب مختلفة کالمذهب العقلاني والمذهب البراغماتي , وعلى هذا الأساس اختلف الفلاسفة والمفكرين فمنهم من يرى أن الحقيقة الذي يسعى اليها الانسان اساسها البداهة والوضوح في حين هناك من ربط الحقيقة بالعمل الناجح والمنفعة, ومن هذا الاختلاف والتباين في الأفكار نطرح الاشكال الاتي :هل صدق الافكار وصحتها يعتمد على معيار الوضوح والبداهة أم المنفعة العملية وبعبارة اخرى :هل الحقيقة الانسانية اساسها الوضوح ام النفع؟
الموقف الأول : م ا بری انصار الفلسفة العقلانية أن الحكم الصادق يعتمد على مقياس الوضوح والبداهة فالمعرفة الحقة تتمثل في مدى مطابقتها للمبادئ العقلية وهي حقائق لا تحتمل الشك كونها يقينية وثابتة وكلية ,ويتجلى هذا الوضوح خاصة في البديهيات ,فهي افكار متميزة لا تحتاج الى اثبات او برهان على صحتها ومثال ذلك البديهيات الرياضية كقولنا الكل اكبر من الجزء ,واكد دیکارت ان الحقيقة لا توجد خارج افكارنا ولقد وضع منهجا اساسه : انه لا يقبل شئ على انه حق الا بعد ظهور البداهة ويجب تجنب التسرع ,ولا تاخذ الاحكام الا المعتمدة على العقل والبعيدة عن الشك قال في هذا الصدد "انا لا اقبل شينا على الاطلاق
على انه حق مالم يتحقق بالبداهة أنه كذلك اعني تجنب التسرع والحكم باراء سابقة والا اخذ من احكامي الا ما يقبله عقلي بوضوح تام "ومن الحقائق التي تصمد أمام قوة الشك وتتجلى للعقل بكل وضوح أنه يشك وبالتالي يفكر وهذايعني انه موجود بمعنى انه ربط الوجود بالتفكير والتفكير بالشك قال ديكارت "انا افكر اذا انا موجود "وقال أيضا "لاحظت انه لا شئ في قولي انا افكر اذن أنا موجود يضمن لي اني اقول الحقيقة ,الا كوني ارى بكثير من الوضوح أن الوجود واجب التفكير فحكمت بانني استطيع اتخاذ قاعدة عامة النفسي وهي أن الاشياء التي نتصورها تصورا بالغ الوضوح والتمييز هي صحيحة كلها "ویری لیبنیتز آن مبادئ العقل ضرورية للتفكير كما اثبت صحتها ووضوحها بالنسبة للعقل حيث قال "انها ضرورية للتفكير كضرورة العضلات والأوتار العصبية للمشي "كما اكد اسبينوزا أنه ليس هناك معیار للحقيقة خارج عن الحقيقة ذاتها قال في هذا الصدد" هل يمكن أن يكون هناك شئ اكثر وضوحا ويقينا من الفكرة الصادقة يصلح أن يكون معيارا للحقيقة "وقال أيضا "ان الاشياء الواضحة فوق كل الاشياء "
التقييم والنقد : على الرغم مما قدمه انصار النظرية العقلية من أن البداهة والوضوح اساس الوصول الى الحقيقة ,الا ان هذان المعياران ذاتين ولا يمكن الوثوق بهما قال بايي "ان الافكار الواضحة البالغة الوضوح هي في الغالب افكار ميتة " فالقدرات الإدراكية للافراد متفاوتة فما يبدوا الشخص ما واضحا , قد يبدو الغيره صعبا وغامضا ,ولهذا فهذا المقياس بعيد عن الموضوعية ويبقي نسبي ومتغير ولا يصلح للحكم على الحقائق والمعارف الانسانية
الموقف الثاني : پری انصار النظرية البراغماتية أن الحقيقة لا تكمن فيما يقدمه العقل بل فيما يتحقق من منافع او التمكن في الارض ,فالمنفعة مقياس الفكرة الصحيحة ,اما ما عداها من الأفكار فلا قيمة لها ولا يمكن وصفها بالصحة او الخطا طالما نحن لم نجربها في الواقع العملي لذلك فالحقيقة ذات علاقة وطيدة بالتجربة الانسانية والمعرفة ماهي الا وسيلة للعمل والنشاط قال تشارلز بيرس "انالحقيقة تقاس يمعيار العمل المنتج ,اي أن الفكرة خطة للعمل او مشروع له وليست في ذاتها ",لان الفكرة الصحيحة هي التي تؤدي بنا الى النجاح في الحياة العملية وما تحققه من منافع و مصالح قال ويليام جميس"إن كل فكرة لا تنتهي إلى سلوك عملي واقعي فكرة باطلة وأن العمل المنتج أفضل من التخمينات الفارغة لأن في هذا العمل نقرأ الصدق والحق" والبراغماتية ظهرت لنقد. ورفض كل الفلسفات المجردة والتقليدية المغلقة والمعلقة في فضاء العلل والأسباب الأولى وخاصة الفلسفة العقلانية والمثالية لان الحلول التي وصلت اليها نظرية تجريدية لا وجود لها في الواقع لهذا فهي مجرد خرافات وبالتالي فهي غير مجدية لأنها تبعد الانسان عن تحقيق ما ينفعه, فهذا النوع من المعرفة غير قابل للتقدم وغير يقيني وهذا ما يجعل الفلاسفة يقعون في تناقض قال بيرس "فلا مجال للقول بان المعرفة تتحدد في حدود الاعتبارات النظرية التاملية او الفكرية " وقال جميس "ان التفكير اولا واخرا ودائما من اجل العمل " واذا كان المهم هو الواقع ومتطلباته الانية وما تتمخض عنه من منافع فان العبرة اذن بالنتائج اي ان المنفعة العملية هي معيار ومقياس كل فكرة لان كل فكرة لا تحمل في طياتها مشروعا قابلا لانتاج عملية نفعية تعتبر خرافة بمعنى ان كل فكرة او اعتقاد لا ينتهي الى سلوك عملي في الواقع تعتبر فكرة باطلة ,لان المشاكل اليومية التي تعيشها الانسانية سواء كانت أخلاقية او ثقافية او اقتصادية أو سياسية تؤكد ضرورة ارتباط التفكير بالسلوك والعمل من اجل فهم الأوضاع المحيطة بالانسان ,ولاتخاذ المواقف اللازمة والناجحة في حياته لذلك فالحياة كلها تكمن في ذلك التوافق بين الفرد و البيئة و الوسيلة التحقيق ذلك هو العمل المنتج والنافع , بدلا من التخمينات الفارغة قال بيرس "ان الحق يقاس بمعيار العمل المنتج وليس بمنطق العقل المجرد والفكرة هي خطة للعمل ومشروع " اضافة الى ذلك تدعو النفعية الى العبرة بالنتائج الناجحة بمعنى أن صحة الفكرة تعتمد على ما انتجته من منفعة لهذا فالفكرة الصحيحة هي عبارة عن سلعة فاذا كانت رائجة وحققت ربح فهي حقيقية ,اما اذا لم تحقق ذلك فهي غير حقيقية ,وذلك ما يؤكد ارتباط صحة الفكرة بنتائجها و النافعة او بنجاحها عمليا في حل المشكلات قال جيمس " إن آية الحق النجاح وأية الباطل الاخفاق" ويقول أيضا " الفكرة الصادقة هي تلك التي تؤدي بنا إلى النجاح بتحقيقها تجريبيا فإذا ما انتهيت من التحقيق وتأكدت من سلامة الفكرة سميتها نافعة " إذا المبدأ الوحيد والقاعدة المثلى في فهم الحقيقة هي المنفعة والنجاح ,وربطها بمعيار الصدق هو ما يحققه من منافع, لهذا فالصدق خيرا لانه نافع قال بيرس "ان كل فكرة لا تنتهي الى سلوك عملي في دنيا الواقع فهي فكرة خاطئة أو ليس لها معنى "
التقييم و النقد: ت على الرغم مما قدمه البراغماتين من أن الحقيقة تكمن في النفع الا ان هذا المسألة نسبية و غير مطلقة , وهو ما يجعلها تتنافى مع شروط الحقيقة لاسيما الموضوعية والشمولية ومن جهة أخرى الفكرة التي تحقق لشخص منفعة قد تحقق لغيره ضررا كما أن الأخذ بالأفكار النافعة يجعل الناس تقع في تصادم بسبب تضارب المصالح او المنافع و ليست بالضرورة كل فكرة ليست لها آثار عملية هي خاطئة ,لان الرياضيات كعلم صوري برغم من أنها تمثل انطباق الفكر مع نفسه , فان هذا لم يمنع من أن تكون علما يقينيا ونتائجه دقيقة ومضبوطة .
التركيب : أن المعاني والأفكار لا قيمة لها الا اذا كانت تقاس بمعيار الوضوح والبداهة من جهة والمنفعة والنجاح من جهة اخرى ,لان المعرفة الصحيحة و الحقيقية تكمن في التكامل القائم بين الأساس النظري المجرد القائم على العقل والاساس التطبيقي القائم اساسا على العمل المنتج والنافع وراي آن معيار الحقيقة عند الانسان يندرج في التزاوج والتداخل بين العقل والنفع.

الخاتمة: وفي الاخير نستنتج أن الحقيقة تقاس بمدى وضوحها وبما تحققه من منافع ونتائج في الوقت نفسه لان الافكار المجردة والواضحة التي مصدرها العقل تحتاج الى التجسيد الواقعي حتي لا تبقي مجرد طرح نظري وتامل فكري

هل ترى أن نجاح الفكرة هو معیار صحتها ؟ هل ترى أن نجاح الفكرة هو معیار صحتها ؟ Reviewed by mohamed fellag on أغسطس 30, 2018 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.